فصل: مسألة الحكم بالشهادة على الخط:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة المشتري يرد بالعيب فلم يقبض ثمنه من البائع حتى فلس والعبد بيده:

ومن كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده:
وقال في عبد بيع فباعه مشتريه ثم فلس وقد خرج عن ملكه فحاص بالثمن ثم وجد بالعبد عيبا فرده، فقال: أنا آخذه وأرد ما أخذت، إن ذلك له.
قال محمد بن رشد: ويتحاص فيما يرد الغرماء، وهذا على القول بأن الرد بالعيب نقض بيع، وأما على القول بأنه ابتداء بيع فلا يكون ذلك له، وهو أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم وأشهب، فالمشهور عن ابن القاسم أنه ابتداء بيع، والمشهور عن أشهب أنه نقض بيع.
وقد مضى بيان هذا في أول رسم من سماع أشهب من كتاب العيوب.
وعلى قياس القول بأنه نقض بيع قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز في المشتري يرد بالعيب فلم يقبض ثمنه من البائع حتى فلس والعبد بيده، فلا يكون الراد له أولى به من الغرماء، ويأتي على قياس القول بأنه ابتداء بيع أن يكون أحق به من الغرماء.
وأما من اشترى سلعة شراء فاسدا ففسخ البيع وقد فلس البائع فلا يكون المبتاع أحق بها حتى يستوفي ثمنها، قال ذلك ابن المواز وهو صحيح؛ لأن ردها بالفساد نقض للبيع، ولا يقال فيه إنه ابتداء بيع، لكونهما جميعا مغلوبين على الرد.
وقد روي عن سحنون أن المبتاع أحق بها حتى يستوفي ثمنها، فحكم للرد بالفساد بحكم ابتداء البيع لما كان الملك قد انتقل للمشتري بالبيع الفاسد ووجب به الضمان منه، فهو قول له وجه.
وإنما يكون الرد بالفساد نقض بيع على الحقيقة دون شبهة ولا اختلاف على القول بأن الملك لا ينتقل بالبيع الفاسد وأن المصيبة فيه من البائع وإن قبض المشتري إذا قامت البينة على التلف، وبالله التوفيق.

.مسألة عبد بيع فأبق ثم فلس مشتريه فقال البائع أنا أحاص بالثمن:

وقال في عبد بيع فأبق ثم فلس مشتريه، فقال البائع: أنا أحاص بالثمن، فإن رجع العبد يوما ما أو وجد أخذته ورددت ما أخذت.
قال: ليس ذلك له، إما أن يرضى أن يتبع العبد ويطلبه ولا شيء له غيره، وإما أن يحاص بالثمن، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا الثمن إليه.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة متكررة في سماع أبي زيد وفي آخر أول رسم من سماع أشهب من كتاب السلم والآجال أن البائع مخير بين أن يحاص الغرماء وبين أن يطلب العبد، فإن وجده كان أحق به، وإن لم يجده رجع فحاص الغرماء.
وفي ذلك من قوله نظر، إذ لا حد لوقت طلبه يجب له بالبلوغ إليه الرجوع إلى محاصة الغرماء والرجوع على كل واحد منهم بما كان يجب له في المحاصة لو حاصهم إن تحاصوا قبل أن يجده.
قال أصبغ: ليس له إلا المحاصة، ولا يجوز له أن يتركها ويتبع العبد؛ لأنه دين بدين وخطار، وهو أظهر الأقوال، ومثله ما في سماع عيسى من كتاب الجنايات أن العبد إذا جرح ثم أبق، فقال المجروح إما أن تدفع إلي قيمة جرحى وإما أن تخلي بيني وبين الغلام أطلبه، أنه لا خير فيه؛ لأنه غرر وخطار، والواجب في ذلك على قوله أن يرجى الأمر إلى أن يوجد العبد فيخير سيده بين أن يسلمه أو يفتكه بدية الجرح، وبالله التوفيق.

.مسألة الجارية توهب للثواب وتوطأ:

وقال في الجارية توهب للثواب إن الوطء فيها إذا وطئها فوت تجب به القيمة، وكذلك الاعتصار إذا وطئها الابن لم يكن للأب أن يعتصرها وإن لم تحمل، قال ابن القاسم: ولكن المفلس لو فلس بعدما وطئها أخذها صاحبها وهي سلعته بعينها، وهو أولى من الغرماء.
قال محمد بن رشد: في النوادر لسحنون عقب هذه المسألة: لا أدري ما هذا يريد، لا أدري ما الفرق بينهما.
وما الفرق بينهما عندي إلا بين، وذلك أن الوطء لو لم يكن في الهبة للثواب ولا في الاعتصار فوتا لآل ذلك إلى عارية الفروج وإحلالها بأن يهب الرجل الجارية لمن له اعتصارها منه أو للثواب فيستمتع بها مدة من الزمان ثم يستردها.
والتفليس لا تهمة في التخيير فيه بعد الوطء؛ لأنه أمر طارئ يوجبه الحكم بالسنة القائمة فيه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا يتهمان فيه على القصد إلى المكروه، وبالله التوفيق.

.مسألة يبيع الأمة من الرجل بدين فيفلس صاحبها وقد ولدت عنده أولادا:

ومن كتاب أوله بع ولا نقصان عليك:
وسئل: عن الرجل يبيع الأمة من الرجل بدين فيفلس صاحبها وقد ولدت عنده أولادا فباعهم، فوجد بائع الأمة أمته.
قال: إن وجد أمته خير بين أن يأخذها وليس له في ولدها شيء، وبين أن يتركها ويضرب مع الغرماء بثمنها كله.
وأما إذا وجد أولادها وقد باع الأمة قسم الثمن على الأمة وأولادها، فأخذ الأولاد بنصيبهم من الثمن، ويضرب مع الغرماء في مال المفلس بما أصاب الأم من الثمن.
فقلت: ففي أي مسألة يكون مخيرا إذا وجد الأولاد ولم يجد الأم بين أن يأخذهم ولا شيء له غيرهم وبين أن يدعهم ويضرب مع الغرماء جميع الثمن؟
قال: ذلك إذا ماتت الأم ووجد الأولاد.
قال سحنون: قال ابن القاسم: لو أن رجلا ابتاع جارية أو رمكة فولدت عنده أولادا فباع أولادها وأكل أثمانهم، ثم فلس وقام صاحبها فإنه إن أحب أخذها لم يأخذها إلا بجميع ما باعها به أو يسلمها.
ولو وجد ولدها- وقد فاتت الأم بموت- لم يكن له أن يأخذ ولدها إلا بجميع ما باع به أمهم أو يسلمهم فيحاص الغرماء.
وقال مالك: إذا فاتت الأمهات في يدي الغريم لم يضمن، وإن كان باع الأم وبقي ولد أخذ الولد وقومت الأم فحاص بقيمتها الغرماء.
قال الإمام القاضي: تحصيل القول في هذه المسألة أنه إن فاتت الأم أو الأولاد بموت لم يكن له أن يأخذ الباقي منهما إلا بجميع الثمن، وأما إن فات الأولاد ببيع ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس له إلا أن يأخذ الأم بجميع الثمن أو يترك ويحاص الغرماء، وهو قول ابن القاسم هاهنا وفي الواضحة وروايته عن مالك، والثاني: أنه يأخذ الأم بما يقع عليها من الثمن بأن يفض على قيمة الأم يوم وقع البيع وعلى قيمة الولد يوم بيعوا ويحاص بما وقع على الولد من الثمن؛ والقول الثالث: أنه يأخذ الأم ويحاص الغرماء بما وصل إليه من ثمن الولد، فحكم للولد في القول الأول بحكم الغلة، وحكم له في القول الثاني بحكم أمه، وأما القول الثالث فليس بجار على أصل.
وأما إن فاتت الأم ببيع ووجد الأولاد ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه مخير بين أن يحاص الغرماء بجميع الثمن وبين أن يأخذ الأولاد بما يصيبهم من الثمن ويحاص الغرماء بما أصاب الأم منه، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه جميع الثمن، والقول الثاني: أنه يأخذ الولد ويحاص الغرماء بقيمة الأم، وهو قول مالك هاهنا في بعض الروايات، ومعناه: إذا أبى الغرماء أن يدفعوا إليه جميع الثمن وأبى هو من ترك الأولاد ومحاصة الغرماء بجميع الثمن.
وفي بعض الروايات: أخذ الولد بما يصيبهم من الثمن وحاص الغرماء بما يصيب الأم من الثمن، مثل قول ابن القاسم.
فعلى هذه الرواية لا يكون في هذا الوجه إلا قول واحد، ولم يجر ابن القاسم في هذه المسألة على أصل واحد في القياس؛ لأنه حكم في بعض وجوهها للولد بحكم الغلة، وذلك إذ فات الأولاد ببيع أو موت، وحكم لهم بحكم الأم في بعض الوجوه، وذلك إذا فاتت الأم ببيع أو موت ووجد الأولاد، وإذا وجدهم قياما مع الأم وكان القياس أن يحكم لهم بحكم الغلة في جميع الوجوه، فلا يكون له إذا وجد الأم إلا أن يأخذها وحدها بجميع الثمن أو يحاص الغرماء، كان الأولاد قياما معها أو كانوا قد فاتوا ببيع أو موت، ولا يكون له إلى الولد سبيل وإن وجدهم مع الأم أو دونها، أو أن يحكم لهم في جميع الوجوه، فيكون له إذا وجدهم مع أمهم أن يأخذهم معها بجميع الثمن، وإن وجدهم قياما وقد فاتت أمهم ببيع أو موت كان له أخذهم بما ينوبهم من الثمن، وكذلك إذا وجد الأم قائمة وقد فات الولد ببيع أو موت كان له أن يأخذ الأم بما ينوبها من الثمن إلا أن هذا لم يقولوه، وبالله التوفيق.

.مسألة حضرته الوفاة وفي بيته خيش ومسح فقال المسح الشعر أعطوه فلانا:

وعن رجل حضرته الوفاة وفي بيته خيش ومسح مملوئين طعاما، فقال المسح الشعر أعطوه فلانا، هل يأخذه بالطعام أو بغير الطعام؟ قال: بل بالطعام.
قيل: فإن قال: الخريطة الحمراء أعطوها فلانا والخريطة مملوءة دنانير، قال: تكون له الخريطة وما فيها.
قال ابن القاسم في الذي يقول أعطوا فلانا زقا كذا وكذا فيوجد الزق ملآن عسلا، قال: يعطاه بالعسل.
قيل: فلو كان ملآن دراهم؟ قال: إذا لا يكون له إلا الزق إلا أن يكون عرف أن فيه دراهم فهو له.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى لا وجه للقول فيها. وبالله التوفيق.

.مسألة الحكم بالشهادة على الخط:

وسمعته يسأل عن رجل توفى ففتح تابوت له فإذا فيه كيس مكتوب عليه لفلان بن فلان، وفيه مال، فطلب ذلك الرجل الكيس، فقال: أرى إن شهد له أنه خط الميت المستودع وكتابه بيده رأيت أن يدفع إليه، وإن لم يشهد على ذلك لم يدفع إليه إلا ببينة.
وإنما هو بمنزلة القرطاس يوجد عنده فيه حساب لفلان عندي كذا وكذا، فإن شهد أنه خط الميت رأيت ذلك له، وإلا لم يكن له شيء، وقاله أصبغ. أو خط المستودع صاحب المال الذي كتب اسمه عليه مع ما وجد أنه في حوز المستودع حيث أقر فأراه لربه أيضا.
قال أصبغ: وهذا لمن يقضي بالخط، والخط عندنا علم ثابت واضح صحيح. وقد بلغنا عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقضي بالخط في شهادة الشاهد، وهو أشد.
وأما خط المرء بعينه فهو الإقرار صراحا، وقد قال مالك: إذا شهد على الخط شاهدان لم يكن على صاحب الحق يمين؛ لأن ذلك إقرار، وإن لم يكن له إلا شاهد واحد حلف معه واستحق، وإن يكن شاهد بالحق وشاهد على الخط تمت الشهادة.
قال الإمام القاضي: ساوى أصبغ بين أن يشهد أنه خط الميت للمستودع أو خط صاحب الوديعة مع وجودها في حرز الميت المستودع، وقد قيل: إنه لا يقضى بها لصاحب الوديعة إذا شهد أن الخط خطه؛ لأنه يمكن أن يكون بعض الورثة أخرجها إليه فكتب عليها اسمه وأخذ على ذلك جعلا.
ولا اختلاف في أنه لا يقضى له بها إذا وجد عليها اسمه ولم يدر من كتبه، ولا في أنه يقضى له بها إذا شهد أنه خط الميت المستودع أو خط صاحب الوديعة إلا على مذهب من لا يرى الحكم بالشهادة على الخط في موضع من المواضع.
وقد مضى تحصيل القول في الشهادة على الخط في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم من كتاب الشهادات، فمن أحب الوقوف على ذلك تأمله هناك، وبالله التوفيق.

.مسألة يستأجر البناء يبني له عرصة مقاطعة فيبنيها ثم يفلس صاحبها:

ومن كتاب سلف دينارا في ثوب:
قال ابن القاسم، في الرجل يستأجر البناء يبني له عرصة مقاطعة كل ذلك من عند البناء فيبنيها ثم يفلس صاحبها: إن البناء أولى بها بمنزلة سلعته بعينها.
قال القاضي: قوله كل ذلك من عند البناء، يريد: أن كل ما يحتاج إليه في بنيانها من نقض وقراميد وجص وغير ذلك من عنده.
وقد تأول بعض الشيوخ أن العرصة أيضا من عند البناء، لقوله: إن البناء أولى بها، أي: بالدار، إذ لم يفرق بين أن تكون من عنده أو قد أسلمها إلى المفلس، وهو من التأويل البعيد؛ لأن العرصة إذا كانت من عند البناء فالبيع أملك بما تعاملا عليه من الإجارة، وهو قد سماها إجارة.
وقوله: إن البناء أولى بها- يحتمل أن يريد: أن البناء أولى بالدار مبينة حتى يستوفي جميع أجرته.
ومعنى ذلك: إذا كانت الدار بيده لم يسلمها بعد إلى صاحبها المفلس؛ لأنها كالرهن بيده وإن لم يخرج فيها شيئا من عنده غير عمل يده.
ويحتمل أن يكون إنما تكلم على أنه قد أسلم الدار إلى المفلس، فيكون معنى قوله: إنه أولى بها- أنه أولى بقيمة ما أخرج من عنده في بنيانها من نقض وصخر وآجر وقرميد وغير ذلك، كان مما يمكن قلعه وأخذه أو مستهلكا مما لا يمكن ذلك فيه، يكون بذلك كله شريكا للغرماء في العرصة مبنية بقيمته يوم الحكم إلا أن يشاء أن يترك حقه في ذلك ويحاص الغرماء بجميع أجرته، أو يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه جميع أجرته ويستخلصوا الدار، وهو أولى ما حملت عليه المسألة، لقوله فيها كل ذلك من عند البناء، فدل على أنه إنما قال: إنه أولى بها من أجل ذلك؛ إذ لو كانت الدار بيده لم يسلمها بعد لكان أحق بها في أجرته وإن لم يخرج فيها شيئا من عنده غير عمل يده.
وإذا شارك الغرماء في الدار مبنية بقيمة ما أخرج فيها من عنده لم يكن له في قيمة عمل يده شيء على ظاهر قوله في رسم العرية من سماع عيسى، والقياس على أصله أن يحاص بذلك الغرماء.
وقد قيل: إن من حقه أن يقوم عمل يده مع ما أخرج من عنده فيكون بذلك شريكا في الدار، وهو الذي يأتي على ما في سماع أبي زيد في مسألة النسج، وبالله التوفيق.

.مسألة يشتري الضأن عليها الصوف فيجزها ويزيد في ثمنها ثم يفلس:

وقال ابن القاسم، في رجل يشتري الضأن عليها الصوف فيجزها ويزيد في ثمنها لمكان الصوف، فيجز صوفها ثم يفلس: إنه ينظر في ذلك كم كان قدر الصوف من رقابها، ولا ينظر إلى ما بلغ ثمن الصوف، ثم يأخذ غنمه بما بقي بعد حصة قيمة الصوف من الثمن، ثم يحاص الغرماء بحصة قيمة الصوف، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه الذي يأخذ به غنمه فذلك لهم، ويحاص بحصة قيمة الصوف من الثمن، وكذلك الأصول كلها إذا اشتراها وفيها ثمر قد طاب وحل بيعه فيبيع الثمرة ثم يفلس وكذلك الدار لها الغلة قد حلت فاشتراها بغلتها بما تجوز به المبايعة إن كانت غلتها عرضا فاشتراها بعين أو كانت الغلة عينا فاشتراها بعرض، فهو على ما فسرت لك في الغنم يجز صوفها.
وإذا اشترى الرجل شيئا من ذلك وليس فيه شيء مثل النخل ليس فيه تمر قد طاب والدار ليست فيها غلة قد حلت، فيغتل المشتري ذلك سنين، أو يفيد العبد مالا عند المشتري فينزعه منه، أو تكتسي الغنم عنده صوفا فيجزها سنين ثم يفلس، فليس للبائع في شيء مما اغتل المشتري شيء، إن شاء أخذ سلعته بعينها بجميع دينه وإن شاء أسلمها وحاص الغرماء بجميع دينه.
وإنما يأخذ سلعته يوم يأخذها على نحو ما باعها عليه إن كانت النخل فيها تمر قد طاب يوم يأخذها، فالتمر للغرماء، ويأخذ الأصل كما باعه ليس فيه تمر إن شاء، أو يسلمه ويحاص الغرماء بجميع دينه.
والدار كذلك إذا حلت الغلة، فإن أرادَ صاحبُ الأصلِ أَخْذَهَا أَخَذَهَا وكانت الغلة للغرماء مثل التمر.
فأما العبد فله أن يأخذه بماله الذي أفاد عند مشتريه، والغنم كذلك له أن يأخذها وعليها صوفها إلا أن يعطيه الغرماء ديته فذلك لهم، ليس غلة الدار وثمرة النخل مثل العبد بماله أو الغنم بصوفها، فرق بين ذلك أن الرجل يشتري الضأن وعليها صوفها ولا يسميه ولا يشترطه ويكون له، ويشتري النخل وفيها التمر وقد طاب فلا يكون له إلا أن يشترطه، وقد قال مالك في غير هذا الكتاب: إذا باع الحائط ولا ثمر فيه ثم فلس وفيه ثمرة إنه يأخذه بثمره.
قال الإمام القاضي: قوله في أول المسألة في الذي يشتري الضأن عليها صوفها فيجزها ثم يفلس إن البائع يأخذ الغنم مجزوزة بما يصيبها من الثمن ويحاص الغرماء بما يصيب الصوف منه، معناه: إذا كان الصوف قد فات بعد الجز، وأما لو أدركه قائما بيد المشتري المفلس لكان أحق به يأخذه إن شاء مع الغنم بجميع الثمن ويؤدي ثمن جزازه؛ لأنه كمشتري سلعتين.
ولغير ابن القاسم وهو أشهب في التفليس من المدونة أن الصوف إذا جزه المشتري غلة ليس للبائع إلا أن يأخذها مجزوزة بجميع الثمن أو يتركها ويحاص الغرماء، وهو قول ابن وهب في رواية أصبغ عنه.
وأما إن اشترى الغنم ولا صوف عليها فحدث لها صوف ثم فلس فالصوف تبع للغنم ما لم يجز، فإن جز كان غلة، ولا اختلاف في هذا.
وأما إن اشترى الأصول وفيها ثمرة قد طابت ثم فلس فالبائع أحق بالنخل والثمرة وإن جذت ما كانت قائمة، كمشتري سلعتين، ولا اختلاف في هذا بين ابن القاسم وأشهب.
والفرق عند أشهب بين هذه المسألة وبين الغنم تشترى وعليها صوفها أن الصوف لما كان يدخل في البيع وإن لم يشترط كان في حكم التبع لها، كالأصول تشتري بثمرتها قبل الإبار.
وأما إذا اشترى الأصول ولا ثمرة فيها أو فيها ثمرة لم تؤبر ثم فلس ففي ذلك أربعة أقوال:
أحدها: أن البائع أحق بالثمرة ما لم تؤبر، وذلك يتخرج على قول أصبغ في الرد بفساد البيع؛ لأنه إذا قال فيه إن الثمرة تبقى للمبتاع وإن لم تطب إذا كانت قد أبرت، فأحرى أن تبقى للغرماء في التفليس، وعلى قول بعض المدنيين في المدونة قول أشهب وأكثر الرواة أنه لا حق للشفيع في الثمرة إذا لم يدركها حتى أبرت.
والثاني: أنه أحق بها ما لم تطب، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية.
والثالث: أنه أحق بها ما لم تيبس.
والرابع أنه أحق بها ما لم تجذ، وهو نص ما في المدونة وظاهر قول مالك في هذه الرواية.
وأما إذا اشترى الأصول وفيها ثمرة قد أبرت ولم تطب ثم فلس ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن البائع أحق بالثمرة ما لم تطب.
والثاني: أنه أحق بها ما لم تيبس.
والثالث: أنه أحق بها ما لم تجذ، وهو قوله في المدونة.
فسواء على مذهب ما في المدونة اشترى الأصول ولا ثمرة فيها أو اشتراها وفيها ثمرة لم تؤبر أو اشتراها وفيها ثمرة قد أبرت ولم تطب إذا فلس، فالبائع أحق بالثمرة ما لم تجذ. فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

.مسألة شهدا على رجل أنه قال لفلان علي مائة دينار أو لفلان لا يدريان أيهما هو:

ومن كتاب يدير ماله:
وقال في رجلين شهدا على رجل أنه قال لفلان علي مائة دينار أو لفلان، لا يدريان أيهما هو.
قال: ليس عليه أن يغرم أكثر من المائة ويحلف هذان ويقتسمان المائة بينهما.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة متكررة في رسم البيوع من سماع أصبغ من كتاب الدعوى والصلح، وزاد فيها هناك: قال أصبغ: يحلف كل واحد منهما أنه هو وأن له عليه مائة ثانية، فمن نكل منهما فهي للآخر إن حلف، وإن نكلا جميعا اقتسماها بغير يمين بمنزلة حلفهما جميعا، فإن رجع الشهيدان عن شهادتهما بعد الحكم وزورا أنفسهما غرما ذلك للمشهود عليه إذا كان يوم شهدا منكرا لشهادتهما. وقول أصبغ هذا تفسير لقول ابن القاسم.
وفي قوله: فإن رجع الشهيدان عن شهادتهما بعد الحكم وزورا أنفسهما غرما ذلك للمشهود عليه إذا كان يوم شهادتهما منكرا لشهادتهما- دليل على أنه لا فرق فيما يلزم المقر بهذه الشهادة بين أن يكون مقرا بها أو منكرا لها.
وإنما يفترق ذلك فيما يلزم الشهيدين من الغرم برجوعهما عن الشهادة.
وقد رأيت لابن دحون أنه قال: معنى هذه المسألة أن المقر هو الشاك وأنه أنكر إقراره فيلزمه بالبينة غرم المائة ويحلف الرجلان ويقتسمانها بينهما.
ولو كان مقرا بما قال للزمه غرم مائتين، فرد ابن دحون هذه المسألة بالتأويل إلى ما في رسم يوصي من سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح من أن الرجل إذا قال علي مائة دينار دين لا أدري هل هي لفلان أو لفلان، فادعاها الرجلان جميعا أنهما يحلفان ويغرم لكل واحد منهما مائة مائة، بخلاف الوديعة يقر بها ويقول: لا أدري لمن هي منهما- أنهما يحلفان جميعا ويقتسمانها بينهما.
وقد اختلف في الوديعة أيضا على ما وقع لمالك في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب القراض في المقارض بمالين يزعم أنه قد ربح خمسين دينارا ولا يدري من أي المالين الربح نسي ذلك أنه لا شيء له من الخمسين وتكون لصاحبي المالين، لكل واحد منهما خمسة وعشرون.
فعلى التأويل الأول يدخل الاختلاف في الدين كما دخل في الوديعة، ويتحصل في جملة المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يلزمه لكل واحد منهما غرم مائة مائة في الوديعة والدين إذا حلفا أو نكلا، وهو الذي يأتي على ما في رسم القطعان من كتاب القراض في مسألة القراض؛ لأنه إذا لزمه أن يغرم لكل واحد منهما مائة مائة فيما في أمانته، فأحرى أن يلزمه ذلك فيما في ذمته.
والثاني: أنه لا يلزمه أن يغرم لهما أكثر من مائة واحدة فيقتسمانها بينهما إن حلفا أو نكلا، وتكون للحالف منهما إن نكل أحدهما عن اليمين، وهو الذي يأتي على ما تأولناه في هذه الرواية؛ لأنه إذا لم يلزمه في الدين الذي هو في ذمته أن يغرم أكثر من مائة فأحرى ألا يلزمه ذلك في الوديعة التي هي في أمانته.
والثالث: الفرق بين الوديعة والدين على ما في رسم يوصي من سماع عيسى من كتاب الدعوى، وعلى ما تأوله ابن دحون تخرج مسألة الدين من الاختلاف.
وقوله لا يدريان أيهما هو، معناه: أنهما لا يدريان ذلك من أجل أن المشهود عليه هو الذي قال لفلان علي مائة دينار أو لفلان من أجل أنه لم يدر لمن هي منهما، فحصل الشك من المشهود عليه لا من الشاهدين.
ولو كان الشك من الشاهدين بأن يقولا أشهدنا فلان أن عليه مائة دينار لأحد هذين الرجلين وسماه لنا إلا أننا لا ندري من هو منهما نسيناه، لما جازت شهادتهما على المشهور في المذهب، وحلف لكل واحد منهما إن كان منكرا أو لمن أنكر منهما إن كان مقرا لأحدهما.
وقد قيل: إن شهادتهما جائزة يلزمه بها مائة واحدة تكون لمن حلف منهما إن نكل أحدهما، أو لهما يقتسمانها بينهما إن حلفا أو نكلا، وهو الذي يأتي على ما وقع في رسم الأسدية من كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة ولابن وهب في رسم الأقضية والوصايا من سماع أصبغ من كتاب الصدقات والهبات.
وقد قيل في هذا النحو من الشهادة: إنها تجوز في الوصية بعد الموت ولا تجوز على الحي.
ويتحصل فيها في الجملة ثلاثة أقوال: إجازتها في الوجهين، وإبطالها في الوجهين، والفرق بين الموضعين، وبالله التوفيق.